السيد محمد تقي المدرسي

297

من هدى القرآن

يعد يحيط بها غموض ، وقبل ذلك أشارت إليها جملة من الآيات القرآنية ، منها خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الأعراف : 54 ] ، ويبدو من الآية إن الله جلَّ شأنه جعل الزمن جزءاً من الخليقة حيث مرت بعدة مراحل إلى أن أخذت شكلها النهائي . وهكذا فالإنسان يحس بالزمن لآنه عنصر أساسي في خلقته الطينية المادية ، ولولا روح الإنسان وقيم الرسالات الإلهية التي تبلور هذه الروح وتعطيها خصائص عالية ، لكان الإنسان يعيش لحظته وحدها ، ولما كان يتطلع إلى المستقبل أو يرى الآفاق البعيدة للحياة . وهكذا يريد القرآن أن يخبرنا بأن هذه الطبيعة البشرية التي يشكل الزمن جزءاً منها ، هي التي تدعو الإنسان إلى اللامسؤولية ، لأنه يعيش بطبيعته لحظته وحدها ، وبالتالي يعجز عن إدراك حتمية الجزاء ، الذي يتطلب مقداراً معيناً من الزمن ، لكي يتحقق ويأخذ مجراه . إنه ينتظر جزاء عاجلًا وقريباً لأعماله ، فإذا تأخر عنه فترة ، قد تطول أو تقصر ، قال : لا جزاء . وطبيعي إن من ينكر الجزاء ينكر المسؤولية كذلك . مثلًا إذا ظلمت حكومة فاسدة شعبها فتحرك للمطالبة بالعدالة بعد عشرين عاماً ، لا يقول رجالها : إن هذه الحركة انفجرت بسبب ذلك الظلم ، ولا يرون أيضاً ذلك الظلم ، ولا يرون أيضاً ذلك الارتباط الوثيق بين الأمرين ، بل إنهم يأخذون بالبحث والتفتيش عن أية علة ليقولوا : إن هذه الحركة توجّه من خارج المجتمع والبلاد ، في حين إن العلة الحقيقية تكمن في الداخل ، وبالذات في جهاز الحكم الفاسد ، فهم لا يفكرون إن ظلمهم سوف يولد حركة نهضوية تتنامى ، وتنتشر ، وتتحول إلى بركان مدمر ولو بعد حين . والقرآن الحكيم ينبهنا بأنكم ، سواء عشتم مستبقلكم أم لا ، وآمنتم به أو كفرتم ، فإنَّ الجزاء سيأتي حتماً ، وسوف يحيط بكم عذابه ، وما دام المستقبل حقاً فلابد أن نؤمن به ، متحدين بذلك كل الضغوط التي تواجهنا في الحياة ، وعلى رأسها طبيعتنا البشرية الاستعجالية . إن الذي ينكر الجزاء ، بأن يسلم قيادته لنفسه النزقة المتعجلة ، يسلب الله منه عقله وبصيرته ، ويستدرجه شيئاً فشيئاً ، فلا يشعر إلا والعذاب مطبق عليه بغتة ، سواء كان ذلك عذاب الساعة أو ما هو دونها ، فالطاغوت الحاكم يفقد تمييزه للأمور ، وتبصره بالعواقب فيستمر في سياسته الخاطئة ، وإذا به يصحو يوما ليجد نفسه ملقى عن عرشه ، ككثير من الظالمين والطغاة في التاريخ الغابر والمعاصر . وكذلك بالنسبة لبعض المجتمعات البشرية التي تراكمت أعمال أفرادها السيئة حتى أحاطت بهم ، استهزؤوا برسلهم أو بمن يمثلهم من الأوصياء والعلماء ، واتخذوا ما جاؤوهم به